نواكشوط.. الجريمة في تصاعد رغم جهود الأمن.. من أين يأتي الخلل؟

الآن ميديا / يعد مشهد الطعن أو السطو الليلي أو توقيف عصابة تمتهن ترويج المخدرات أمراً مفاجئاً لسكان العاصمة نواكشوط.. أسبوعياً، تطالعنا الأخبار بحوادث إجرامية تتراوح بين الاعتداء الجسدي، وتفكيك شبكات تهريب، وعمليات أمنية تنتهي بإحباط محاولات لإدخال مواد خطرة إلى البلاد، من المخدرات إلى الأدوية الممنوعة.. كل هذا يحدث في وقتٍ تبذل فيه أجهزة الأمن المختلفة مجهوداً كبيراً يُشيد به المراقبون.

الشرطة تقوم بدورها ،الدرك حاضر في المشهد ، الجمارك تعلن كل شهر عن إحباط عمليات تهريب متعددة .. ملفات قضائية عديدة تُفتح، والمتورطون يُحالون إلى السجن ، ومصالح أمنية عدة تعمل بتناغم في مكافحة الجريمة والمخدرات والهجرة السرية..

لكن مع كل هذه الجهود، يظل السؤال قائماً: لماذا لا تنخفض معدلات الجريمة؟ وأين يكمن الخلل؟

النجاحات الأمنية.. إنجازات حقيقية

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الأجهزة الأمنية حققت نجاحات مهمة خلال الأشهر الماضية، سواء في توقيف المجرمين، أو في تفكيك عصابات منظمة، أو في حماية الحدود من التهريب العابر للدول ، فالتقارير الرسمية تفيد بإحباط عشرات محاولات تهريب الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة، بالإضافة إلى توقيف متهمين يشكل بعضهم خطراً على الأمن العام.

مراكز الشرطة تعمل على مدار الساعة، والدوريات الليلية أصبحت أكثر انتشاراً، ومبادرات “الشرطة المجتمعية” بدأت تؤتي ثمارها في بعض المناطق..

ومع ذلك.. الجريمة لا تتراجع. بل تتكيّف وتتمدد.

مقاربة أمنية أم مقاربة شاملة؟

يذهب بعض المحللين إلى القول إن المعالجة الأمنية وحدها لا تكفي. فالجريمة ليست ظاهرة معزولة، بل نتيجة لتراكمات اجتماعية واقتصادية وثقافية.

فهل يكفي توقيف الجاني، إذا كانت بيئته تُفرخ مجرمين جدداً؟

هل تكفي مصادرة الكمية المهربة، إذا بقي السوق في حالة طلب دائم؟

هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة شاملة، تتجاوز الحل الأمني إلى إصلاحات في التعليم، وتوفير فرص العمل، وتقوية العدالة، ومكافحة الفساد، وتفعيل آليات الرقابة.

ثغرات قانونية أم ضعف في الردع؟

العديد من الأصوات داخل الوسط الحقوقي تشير إلى ثغرات في المنظومة القانونية تتيح في بعض الأحيان الإفراج المبكر عن مجرمين خطرين، أو تمنح المتهمين هوامش واسعة للمناورة، مستغلين بطء الإجراءات القضائية، أو ضعف التحقيقات.

بعض الموقوفين في قضايا مخدرات يعودون إلى الترويج بعد شهور قليلة من توقيفهم ، وآخرون يشكلون نواة لعصابات جديدة داخل السجون نفسها.

اليد الخفية.. من يحمي شبكات الجريمة؟

هناك من يتحدث عن وجود شبكات متغلغلة تحظى بحماية غير مباشرة، أو تتغذى من تسريبات داخل المؤسسات، أو تستفيد من ضعف الرقابة في بعض المعابر.. فأن يُحبط الأمن عملية تهريب لا يعني بالضرورة أن كل المحاولات الأخرى تم إحباطها.

ويتساءل بعض المراقبين: هل كل المجرمين يُحاسبون فعلاً؟ وهل تطال العدالة جميع المتورطين بنفس الحزم، أم أن هناك من هم فوق المساءلة؟

الهوامش المنسية.. بيئة خصبة للجريمة

في أحياء نواكشوط الهامشية، حيث الفقر المدقع والبطالة المنتشرة، يواجه الشباب واقعاً قاسياً. لا فرص تعليم، ولا تكوين مهني، ولا برامج اجتماعية جادة..في هذه البيئة، تنتعش تجارة الحبوب المهلوسة، وتترسخ ثقافة العنف، ويصبح الانتماء للعصابة بديلاً عن الانتماء للمجتمع.

الجريمة في هذه المناطق ليست فقط فعلاً إجرامياً، بل وسيلة للبقاء في وجه واقع قاسٍ. ما لم يتم دعم هذه المناطق بالتنمية والخدمات والتأطير، فستظل مصانع تُنتج العنف جيلاً بعد جيل.

ختاماً: الدولة مطالبة بأكثر من مجرد رد الفعل

نعم، ما تقوم به الشرطة والدرك والجمارك يستحق التقدير، لكن المطلوب اليوم استراتيجية وطنية متكاملة تُشارك فيها كل القطاعات: التعليم، الشباب، العدل، الاقتصاد، الإعلام، وحتى الأئمة والمؤسسات الدينية.

فالجريمة حين تصبح خبراً أسبوعياً، تكون قد تخطّت حدود الفرد.. ودخلت مرحلة التهديد البنيوي للمجتمع.

#البو

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى